The Permanent Mission of the Hashemite

Kingdom of Jordan to the United Nations 


. السيد الرئيس


يكتسي هذا العام أهمية خاصة بالنسبة لدور الأمم المتحدة في حفظ السلام وبناء السلام، نظراً للمراجعتين الشاملتين اللتين ستجريهما الأمم المتحدة حول عمليات حفظ السلام ومنظومة بناء السلام. وهذا يدعونا الى التأكيد على الدور المتكامل لكلاهما، اذ أن العمليتان متلازمتان في الجهود الرامية الى إنهاء العنف وتهيئة الدول الخارجة من النزاع للتقدم في مسار السلام الدائم.


وتتطلب عملية بناء السلام جهود متكاملة تشمل الدعم الاقليمي والدولي من جانب وتعاون والتزام حكومات وأجهزة الدول الخارجة من النزاع من جانب آخر ليس فقط لتسهيل انجاز هذه المرحلة بل كون هذه الدول تعد شريكاً رئيساً ومسؤولاً في بناء السلام. وهذا الدور قد يشمل قيام هذه الدول بتوفير الأدوات والموارد اللازمة وفقاً لمقدرتها، وذلك لمساعدة عناصر الأمم المتحدة على القيام بمهامها وانجاز البرامج المخطط لها بكل كفاءة.


     وما يميز مرحلة بناء السلام، ويمكن أن يطلق عليها مرحلة التأسيس والبناء، هو أنها لا تأخذ الطابع العسكري كعمليات حفظ السلام بل تتسم أكثر بالصفة المدنية وبالعدد المحدود للعاملين فيها، الأمر الذي يجعلها أكثر قبولاً وانسجاماً مع المجتمعات الخارجة من النزاع. وهذا يضفي عليها مهمة أخرى وهي فهم خصائص وطبيعة المجتمعات التي تعمل بها كون مهامها ومجالات عملها المتنوعة تتميز أيضاً عن عمليات حفظ السلام، حيث تشمل المشاركة في تعزيز العمليات السياسية الوطنية وبناء المؤسسات الامنية والقضائية وتنشيط التنمية الاقتصادية وتحسين البنى التحتية وأوضاع حقوق الانسان وكذلك تطوير البرامج الخدماتية الكفيلة بالارتقاء بالحالة المعيشية للمجتمعات.


لذا فانه من الضروري أخذ بعين الاعتبار مصالح ومشاغل وتطلعات الدول التي تحدث فيها النزاعات بالإضافة الى محيطها الاقليمي، لا سيما أنه في كثير من الأحيان يشكل التهديد الذي تواجهه بعض الدول تهديداً للدول المجاورة لها أيضاً. ومن الضروري أن تراعي عملية المراجعة الشاملة مبدئي المرونة والتكيف نظراً لاختلاف متطلبات الدول واختلاف التهديدات التي تواجهها وتنوع سياساتها، بالإضافة الى تفاوت سرعة انجاز هذه المرحلة من دولة لأخرى، فيما يخص على وجه التحديد انتقال المهام للسلطات المحلية.


ويؤكد الأردن دعمه للشروط المرجعية ورؤية الأمم المتحدة لتقوية ورفع سوية منظومة بناء السلام، وتعزيز دور الكيانات الثلاث الرئيسة التي تندرج في اطارها؛ وهي لجنة بناء السلام وصندوق بناء السلام ومكتب دعم بناء السلام، والتي نثمن جهودها المبذولة في تعزيز استجابة الأمم المتحدة وتقوية دورها في دعم الدول في مرحلة ما بعد النزاع. ان المراجعة الشاملة لمنظومة بناء السلام تعتبر بمثابة التحليل والتقييم الشامل لعمل ودور بناء السلام للمساعدة على معالجة الفجوات التي أثرت على وقوضت عمل الأمم المتحدة واستجابتها وانخراطها بشكل فعال في الدول في المرحلة التي تعقب النزاعات.


ولا بد أن نلتفت لما يمكن أن يؤثر على عمل الأمم المتحدة في مرحلة بناء السلام والعراقيل التي قد تواجهها وأبرزها محدودية التمويل للقيام بالمهام اللازمة؛ وغياب الارادة السياسية والتعاون الجدي والمسؤول من قبل السلطات في الدول الخارجة من النزاع وهذا ما يؤكد ضرورة وجود الشراكة الايجابية بين الدول وعناصر الأمم المتحدة؛ هذا بالإضافة الى الاحتمالية الكبيرة لتأثر بعض الدول التي خرجت للتو من النزاعات من الدول المجاورة لها التي لا زال تسودها التوترات، وهنا نجدد تأكيدنا على أهمية التكامل والتعاون الاقليمي بين الدول للحد من آثار النزاعات على الدول الأخرى بأكبر قدرٍ ممكن.


وعليه، يأمل الأردن أن تقدم هذه المراجعة خارطة طريق تستشرف طبيعة استجابة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الفعالة للمتطلبات الضرورية لعمليات بناء السلام المستقبلية وأن تتواءم والاحتياجات اللازمة للدول الخارجة من النزاعات والتحديات التي تواجهها. كما من المجدي أن تشمل المراجعة كيفية تعزيز دور المنظمات الاقليمية والدولية وتطوير شراكات استراتيجية معها بما يشمل تأطير الدور الذي تقوم به في مرحلة بناء السلام خاصة في مناطقها الجغرافية وزيادة تعاونها وتنسيقها مع كافة الأطراف المعنية في بناء السلام.  وقد كان للأمم المتحدة انجازات ايجابية ملموسة في هذا المجال في بعض الدول منها نيبال وتيمور الشرقية، لذا فان البناء على النجاحات التي حققتها الأمم المتحدة وأخذ العبر والدروس من الاخفاقات التي حصلت وتفاديها في المستقبل يجب أن يشكل محوراً رئيساً في هذه المراجعة.


ان ايجاد آليات تمويل مستدامة سواء محلية أو دولية أمرٌ ضروري جداً لضمان استمرارية عمليات بناء السلام في الدول. وفي هذا الشأن، ندعو الدول المانحة الى الاستمرار في توفير التمويل اللازم لبناء السلام بما يشمل وضع الاستراتيجيات المالية اللازمة لإدارة هذه الأموال وتوظيفها بالشكل الرشيد للاستفادة منها بأقصى ما يمكن، بالإضافة الى ايجاد مصادر جديدة للتمويل بما فيها زيادة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية. 


وتعتبر مشاركة المرأة في حفظ وبناء السلام هامة وبناءة، ويشجع الأردن على مساهمة المرأة في بناء السلام في مجتمعها، كونها تشكل جزءاً أساسياً فيه. وهناك العديد من الأعمال التي يمكن أن تبدع فيها في هذه المرحلة، مما يتطلب تطوير برامج تدعم هذا الدور وتشجع المرأة على المشاركة وتوفر التدريب اللازم لها للقيام

بدورها وتحسين أدائها في هذا المجال.


كما يجب التركيز على المهارات والقدرات والأدوات اللازمة والمتوفرة للقائمين على بناء السلام وتطويرها بشكل مستمر، سواء كانوا عناصر تابعة للأمم المتحدة أو مؤسسات الدولة المعنية، ليتمكنوا من القيام بمهامهم بكل كفاءة وبما تتطلبه الأوضاع على أرض الواقع، خاصة أن عملهم يتركز في بيئات أمنية معقدة ودول تفتقر عادة البنية التحتية الجيدة والأدوات اللوجستية والتكنولوجية التي تساعد على سير العمل بشكل سلس.


 ويرى الأردن أنه من الممكن أن تتضمن رؤية الأمم المتحدة فيما يخص تطوير وتأطير منهجية انخراطها واستجابتها في مرحلة ما بعد النزاع تشكيل بعثات خبراء في مختلف التخصصات وفقاً لولايات محددة تقررها الأمم المتحدة، وذلك لضمان استدامة التعاون والشراكة مع السلطات المحلية والمنظمات الاقليمية والدولية والنهوض بالدول الخارجة من النزاعات وتجنب عودتها للنزاع مجدداً.​